قصة قصيرة: أيام الكلب

في الساعة الثامنة مساءً ظهر إشعار في هاتفي كُتب فيه (٣ يوليو: من اليوم تبدأ أيام الكلب) كنت قد وضعت هذا الإشعار منذ سنة في المفكرة ونسيته، وبمجرد قراءتي للإشعار فتحت خزانة الكتب الموجودة في غرفتي وأخرجت خارطة فلكية كبيرة لدي اشتريتها في سفري من سوق للأغراض المستعملة رغم أنني لست خبيرة في علم الفلك وحد علمي هو مجموعة قليلة من المقالات، ومعلومات أعرفها مصدرها أفلام شاهدتها. وإحتمال أن تكون هذه المعلومات غير صحيحة كبير، لكن لا يهم.

أيام الكلب سِماتها أنها أشد أيام الصيف حرارةً، تبدأ في الثالث من شهر يوليو حتى منتصف شهر أغسطس ومدتها أربعون يوم. الرومان ربطوا بين الطقس الحار وظهور نجم الشعرى الذي هو أحد نجوم مجموعة الكلب الأكبر. هي نجوم إن نظرنا لها بالتليسكوب سنجد أنها تأخذ شكل الكلب، ونجم الشعرى أسطع النجوم في السماء وأقربها للأرض، ويبدو بظهوره في السماء يجيء الحر معه. يقال إنه في الحضارة المصرية القديمة أطلقوا عليها مجموعة الكلب بسبب نوع كلب يسمى باسنجي، وهو كلب صيد عُرف في الحضارة المصرية وظهر في رسوماتهم أيضاً، ففي أيام الكلب يكون موسم تزاوج هذا النوع، ويصادف أيضاً أنه في أيام الكلب كانت فترة فيضان النيل. وبمناسبة ذكر الفيضان سأغرقكم بمعلوماتي، في الحضارة المصرية القديمة كانوا يعتقدوا أن فيضان النيل هي دموع إيزيس حزناً على وفاة أوزوريس أخاها الذي تزوجته- آلهة البعث والحساب- فتقول الأسطورة الفرعونية أنه تم تقطيع جسد أوزوريس إلى قطع، ثم رُميت في النيل فخرجت إيزيس تبحث عن أشلائه، وكما سمعت أنها وجدتها كلها باستثناء قطعة واحدة ناقصة. وفي رواية أخرى يقال إن جسده كان في تابوت في النيل، وتوجد قصص مختلفة لهذه الأسطورة ولا أعرف أي منهم الصحيح، لكن لا يهم.

أشعر أن صفاتي أقرب لكوكب المريخ، فرأسي يابس وكأنه مليء بالصخور، وقلبي ومشاعري باردة جداً، ووجهي يحمر إحمراراً شديداً عندما أخجل أو عندما يحرجني أحد. أحب التفكير في إحتمالية أن أعيش في كوكب المريخ، والتي هي صفر بالمئة، فأنا أشعر بأنني لست من سكان الأرض لا بل متأكدة رغم جسدي الذي يثبت عكس ذلك. بعد أن أخرجت الخارطة ووضعتها فوق مكتبي سرحت في الخيال كعادتي أفكر في أمر مختلف تماماً عن الأمر الذي كنت أنوي فعله، نسيت لماذا فتحت الخارطة وماذا أريد وأنا لا أفهم منها شيئاً فتركتها فوق المكتب ولبست حذائي الرياضي ثم اخذت حقيبة ظهري وخرجت مبتعدة عن جدران غرفتي حاملةً في يدي لوح تزلج. لا أعرف إلى أين ستأخذني قدماي، ما أعرفه هو أنني أريد أن أهرب من الجدران، وأريد أن أشاهد السماء ونجم الشعرى بعيني المجردة، رغم أن نظري ضعيف، مع ذلك لا أرتدي النظارة الطبية فهي تزعجني. ليس لدي تليسكوب لأشاهد به النجوم لكن سأحاول أن أرى بفؤادي على الأقل. لقد قلت لكم أنني لست من سكان الأرض، أنا اسمي مريخ، أو هذا ما أحب أن أُسمي نفسي به.

مشيت في الشارع على قدماي تارة، وتجولت بلوح التزلج تارة أخرى وأنا أرفع رأسي للسماء، وبعد مدة من المشي والتجول بين المباني بين الساعة التاسعة والنصف والعاشرة ليلاً، وجدت قدماي تأخذني إلى البحر، ورأيت زاوية بعيدة جداً ومظلمة خلف مسجد به منارة يقع عند الواجهة البحرية، فمشيت باتجاهها إلى أن وصلت أمام سور البحر، كانت امواج البحر هادئة لكن لفتني حركة شيء ما بداخل البحر، لم أتمكن من الرؤية فأخرجت من حقيبتي كشاف صغير ولا أعرف لماذا أحمل كشاف في حقيبتي، وجهته نحو البحر فوجدت مجموعة من الأسماك الصغيرة البرتقالية اللون يمشون وراء بعضهم بشكل طولي وكأنهم في طابور مدرسي، فأخرجت هاتفي لأسجل ملاحظتي كمذكرة صوتية. بعد أن انتهيت من تسجيل المذكرة التي تحدثت فيها عن الأسماك جلست على درجات ذلك المسجد المواجهة للبحر، ووجهت بصري إلى القمر حيث كان مكتملاً وساطعاً، كان في أجمل ما يكون، ثم رأيت نجمًا صغيراً مشعاً بجانبه وتساءلت ما إن كان هو نجم الشعرى.

بعد مدة من الوقت مر من أمامي بمسافة تبعد ثلاثة أمتار شاب يمشي ومعه كلب أسود متوسط الحجم، ثم وقف بمحاذاة سور البحر معه دون أن يلاحظ وجودي خلفه، فاستفدتُ من عدم ملاحظته ورحت اراقبه وأرصد حركاته وحركات كلبه الذي أجهل فصيلته. بعد دقائق استدار فوجدني أجلس على درجات المسجد فابتسمت له إبتسامة لا تعني أي شيء سوى أنني هنا منذ زمن أراقبك، فألتفت الشاب خلفه وكأنه يتأكد ما إن كانت ابتسامتي له أم لشخص أخر خلفه، ولكنه لم يجد أحد، لأنه هو المقصود. رد الشاب على ابتسامتي بابتسامة كبيرة وتقدم بضع خطوات جريئة، لكن لم أستطع منها تمييز تفاصيل ملامح وجهه في ظلمة المنطقة التي كنت أجلس فيها.

– لقد أخفتني كنت أعتقد أنني هنا بمفردي، لماذا تجلسين بمفردك هنا؟ قال

سألني وكأنه يعرفني فأخبرته عن سبب جلوسي، وهو أنني أحاول أن أرى نجم الشعرى وأسجل بعض مما أرصده وأشاهده من مشاهد في السماء والليل في المدينة، ومنها مشهد وقوفه أمام البحر مع كلبه، قاطع كلامي نباح كلبه، ثم قفز عليّ و لعق يدي، فأقترب الشاب وحاول إبعاد كلبه وهو يقول:

-أبولو أبولوو كم مرة أقول لك لا تقفز على الأخرين، فرأيت تفاصيل ملامح وجهه عندما أقترب من إنعكاس ضوء القمر عليه. كان وجهه مختلفاً ولا يشبه أي من الوجوه التي رأيتها طوال حياتي، شعرت أن وجهه يشبه وجهي. سبب لي منظر وجهه بإحساس غريب في داخلي، فسرحت وسألت نفسي من هذا؟ ولماذا اشعر انه يشبهني؟ ولماذا هو هنا الآن؟ فقاطع شرودي وهو يحرك يديه أمام وجهي قائلاً:

– هيييي أين ذهبتي؟، أرجعني تصرفه إلى الواقع. ظل كلبه المدعو أبولو ينبح فحاول تهدئته وهو يلاعب رأسه، ثم سألني حينها عن اسمي فقلت له أن إسمي مريخ، فضحك وهو يمد يده لي قائلاً:

– وأنا زحل، فمددت يدي. عندما تلامست أيدينا تغير كل ما هو حولي ولم يعد المكان يشبه المكان الذي كنت أجلس فيه، واختفى زحل وتلاشى ولم أجد أمامي إلا الكلب الأسود.

 يبدو أنني أعيش في أحلام اليقظة كعادتي.

رأي واحد حول “قصة قصيرة: أيام الكلب”

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s